طه عبد الرحمن

88

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

الكمالات الإنسانية ؛ لذلك ، تجد المتخلّق في هذه الرتبة يطمع دائما في وصل الإنسان بآفاق فوق أفق الإنسان العادي كأفق الأنبياء المطهّرين وأفق الملائكة المقربين إن لم يكن أفق الحضرة الإلهية نفسها ؛ ومن يعمل على دائم الارتقاء بالأفق الإنساني ، فلا بد أن تكون نظرته إلى الإنسان نظرة تسع أكثر الخيرات لهذا الإنسان وتسمو بقيمه إلى أكمل الدرجات . وباختصار ، إن التخلق في رتبة التأييد يوسع نظرة المتخلّق إلى الإنسان ، حتى يكاد يصله بآفاق الوجود الذي تعلوه درجات . 4 . 3 . الذوق الجمالي لقد ساد الاعتقاد بأنه لا أخلاق في الجماليات أو كما يقال : " لا أخلاق في الفن والإبداع " بحجة أن القيمة الخلقية قيمة موجّهة ( يكسر الجيم المشددة ) وآمرة تعتمد أساليب الردع والارتداع ، بينما القيمة الفنية هي قيمة تستند إلى أحوال الشعور والوجدان وتتوسل بأساليب الذوق والإمتاع ؛ لكن هذا الاعتقاد يكذّبه التخلّق المؤيّد أيما تكذيب ، ذلك أن الجمال عند هذا المتخلّق لا ينبني على قيم أخلاقية فحسب ، بل إن الأخلاق نفسها تصير عنده بمنزلة قيم جمالية صريحة ؛ والشاهد على ذلك أمران اثنان : أحدهما أن العلاقة التي يصل المتخلّق إلى إنشائها مع القيمة الخلقية ليست علاقة تقبل إلزامي أو امتثال قمعي ، وإنما علاقة تأثر شعوري وتذوق وجداني ؛ والأمر الثاني أن القيمة الخلقية عنده هي أسمى من القيمة النظرية ، نظرا لأن القيمة النظرية تقف عند حدود الأسباب الظاهرة للأشياء ، بينما القيمة الخلقية تتعدى هذه الأسباب إلى ما يكمن فيها من معان خفية تعلو بهمة الإنسان . وبإيجاز ، إن التخلّق المؤيّد يولّد في صاحبه القدرة على تذوق الجماليات في نفسه وفي الآفاق من حوله . والآن وقد أنهينا بيان النتائج الثلاث الأساسية التي يثمرها هذا التخلق ، فلنبين كيف أن هذه النتائج تدفع عن الفعل الخلقي التنقيص الذي تعرض له . فقد أومأنا إلى أن من ثمار التخلّق المؤيّد تحصيل الشعور بالسعادة ؛ ومن المسلّم به أن السعادة هي المقصد الأسنى الذي يبتغيه كل إنسان كما أنها الغرض الأقصى الذي تتوجه إليه كل نظرية أخلاقية ، كائنة ما كانت ؛ فإذا كانت السعادة أسمى ما يطلبه الطالب وأشرف ما يقصده القاصد ، وثبت أن التخلّق المؤيّد أقدر من غيره على تحصيل هذا المطلوب أو المقصود ، لزم أن يكون الفعل الخلقي كما